أهل الكار في خبر كان..؟!

سامي عيسى*

قبل الدخول في الحديث عن موضوع يحمل أهمية كبيرة بالنسبة لي، كمتابع للشأن العام الاقتصادي والإداري، لا نريد أحداً أن يفهمنا بصورة خاطئة ، ولا نقصد التقليل من أهمية خبرة ما في مكان ما، بل نحن ندعو لتكامل الخبرات والجهود لإنقاذ ما تبقى من القطاع العام..!
وبهذا الاتجاه أود الدخول في مضمار تجربة اعتماد الحكومة في إدارة بعض المفاصل الحكومية على أساتذة الجامعات، أو الأكاديميات العلمية، للاستفادة منهم في مواقع قيادية في العمل الاقتصادي والإداري وغيره, فنحن نحترمهم ونعتبرهم خزان بشري يحمل الكثير من المعلومات التي تخدم قضايا التخطيط الاستراتيجي , وقد يشكلون العقل المفكر والمدبر له في أحيان كثيرة، وهذه حقيقة لا تحتاج لعملية إثبات..

وبالتالي هذا الاجراء قد يكون خياراً ذو أهمية كبيرة لشغل المناصب، لكنه يحتاج للكثير من التدقيق والبحث في خلفية هذا القرار، وقدرة هذه الكفاءات على قيادة العمل في ظروف مختلفة على مدار الساعة، وهذه لا تحتمل التجريب، أو تحتوي مساحة واسعة من الزمن لإثبات النتائج، بقدر ما تحتاج لمساحة أوسع من خبرة الميدان وكفاءة العمل الموروثة، وهذه بالنتيجة خلافاً لمعظم حالات التعيين التي تمت سابقاً، وما يحدث منها الآن، والأخطر تجاهل خبرات الكار، وإبعادها بصورة مقصودة أو بدونها، عن مواقع العمل ” مما يزيد الطين بلة” ومزيد من الخراب والتدمير في البنى على اختلافها وتنوعها، لأن أهل الكار هم أدرى بشعاب العمل، والأكثر دراية ومعرفة في أدق التفاصيل وأسلوب المعالجة، بينما الخبرات القادمة تحتاج لمزيد من التجريب على المستوى الاداري والإنتاجي، وحتى في أساليب إدارة المشكلات، وإيجاد الحلول السريعة، وخاصة ما يتعلق بالإنتاج والخدمة المرتبطة بمعيشة المواطن اليومية ..!

وبالتالي هذا التوجه يفرض جملة من الاسئلة والاستفسارات، والمزيد من إشارات التعجب والاستفهام، حول الكفاءات المتوافرة في المؤسسات الحكومية، وإمكانية قيادتها لدفة الأمور فيها, سيما أنها تمتلك المعرفة والخبرة العملية بتفاصيل العمل، أين الكفاءات العلمية التي حددت خياراتها باتجاه الصالح العام ، والأهم ميدان العمل الحكومي أنتج خبرات عملية صقلت موهبتها مواقع العمل على امتداد عقود من الزمن، أين هي وما مصير المئات من الشهادات العلمية ” المقبورة في دوواين الوزارات والمؤسسات العامة بحجج مختلفة، وقرارات بعيدة كل البعد عن الواقع ..!

والسؤال الأهم هل هناك من يخطط لعمليات الابعاد وتجاهل لخبرات الكار، وحجب رؤية الحكومة عنهم طيلة السنوات السابقة بشكل متعمد، وخاصة من قيادات الصفوف الأولى على اختلاف مستوياتها الادارية والعلمية وحتى العملية ..؟
وبالتالي الدخول في حالة تشويش حكومي سمح بالاعتماد على كفاءات جامعية، ليس لديها خبرات ميدان العمل، بالصورة المطلوبة، وإبعادها عن أهم قطاع تحقق فيه البراعة في التدريس وتأهيل الكوادر، ورسم استراتيجيات العمل ووضع الخطط بما يتلاءم والواقع الفعلي للدولة بكافة مجالاتها، والأخطر إقصاء خبرات الكار، واستنزافهم في مكاتب الوزارات والمؤسسات بحجج مختلفة..!

وهنا لا يخفى على أحد النتائج السلبية التي حققتها بعض المؤسسات التي استعانة بأشخاص وخبرات من خارج ميدان عملها, واستبعدت خبراتها وكفاءاتها ووضعتها في مكاتب أشبه (ببرادات لتجميد العقول) وهذا بدوره أدى لقرارات خاطئة واستنزاف للطاقات, وهدر كبير للوقت وللإدارات الجديدة للتعرف على ماهية العمل الاداري والإنتاجي، والأنظمة والقوانين المعمول بها , وبذلك نكون قد حققنا أمرين: الأول تدمير القوة الانتاجية, والثاني تدمير خبرات أهل الكار , وحرمان الخزينة العامة عائدات مادية كبيرة نتيجة هذه الاجراءات، والأخطر حالة الترهل والنقص الكبير في خبرات الصفوف الأولى، دون أن ننسى الثانية وما بعدها من العمالة المنتجة، والتي تناقصت بصورة كبيرة بفعل الحرب والفشل الاداري في معظم الاحيان ..!

لكن معالجة ذلك لا يحتاج لكثير العناء، ومشقة في العمل، ولا حتى لرؤوس أموال كبيرة، بقدر ما نحتاج لإجراء تتخذه الحكومة تقوم به بعملية تجميع وتوصيف لكافة خبراتها العملية في مواقع الانتاج وفق أرشيف حكومي يضم كافة المعلومات عن خبرات الكار ولكل جهة، بحيث تستطيع الحكومة اللجوء اليه وقت الحاجة، واللجوء اليه عند اختيار قيادات العمل، دون أن ننسى تفعيل دور أساتذة الجامعات وخبراتها في وضع الخطط واستراتيجيات العمل على مستوى القطاعات الكلية..
بهذه الصورة يمكن انقاذ ما تبقى من القطاعات الحكومية، أهل الكار أولاً وأخيراً..
طريقك الصحيح نحو الحقيقة ..

آخر الأخبار