بوادر انتعاش نسبي للقطاع الزراعي في سوريا تصطدم بتحديات هيكلية واقتصادية
سوا نيوز – وفاء فرج –
كشف الخبير الاقتصادي والزراعي الدكتور مجد أيوب عن بوادر انتعاش نسبي يشهدها القطاع الزراعي في سوريا، وذلك بعد سنوات من الجفاف والتحديات الاقتصادية التي أثقلت كاهله. وأشار إلى أن الأمطار الأخيرة ساهمت في تحسين أوضاع المزارعين، مع عودة المياه إلى بعض المناطق المتضررة، إلا أنه نبه إلى أن هذا الانتعاش يواجه عقبات جمة تتطلب معالجة دقيقة.

انتعاش محدود وأمل متجدد
أوضح الدكتور أيوب أن بعض المناطق شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الأمطار، وصل في بعض الأحيان إلى نصف المعدل السنوي، وذلك بعد سنوات من الجفاف الشديد. وأعطى مثالاً على ذلك بحيرة زرزر التي عادت للحياة بعد أن كانت جافة تماماً، إضافة إلى فيضان نهر العاصي في بعض المناطق. وأشار إلى تحسن وضع نهر الأعوج، معرباً عن أمله في أن يسهم ذلك في زيادة الإنتاج الزراعي ،مؤكدا أن هذا الانتعاش يمثل فرصة لإعادة إحياء الاقتصاد السوري، خاصة مع عودة الغوطة إلى الإنتاج الزراعي، ولو بكميات محدودة.
تحديات الإنتاج والتصدير:
وفي سياق متصل، أثار الدكتور أيوب تساؤلات حول تأثير انخفاض الإنتاج الزراعي على قيمة الإنتاج وصعوبة التصدير، موضحاً أن الكميات المتوفرة حالياً قد لا تكون كافية للمنافسة في الأسواق الخارجية، مما يواجه صعوبات اقتصادية.
قضايا المبيدات والأدوية الزراعية
كما تطرق الدكتور أيوب إلى قضية دخول كميات كبيرة من الأدوية والمبيدات الزراعية من مناطق إدلب وسرمدا، مشيراً إلى أن هذه المنتجات، والتي غالباً ما تكون تركية المنشأ، قد لا تكون ذات جودة عالية، مؤكداً على ضرورة مراقبة جودة هذه المنتجات لحماية المزارعين والمستهلكين.
إحصائيات الحمضيات غير دقيقة وتطوير زراعتها
وفيما يتعلق بإنتاج الحمضيات، انتقد الدكتور أيوب الإحصائيات الرسمية التي تشير إلى إنتاج مليون طن وأكثر، معتبراً أنها غير دقيقة. وأوضح أن محافظة اللاذقية، وهي المحافظة الرئيسية المنتجة للحمضيات، لا يمكن أن تنتج هذه الكميات، خاصة مع الأخذ في الاعتبار أن إسبانيا، المنتج الرئيسي في الاتحاد الأوروبي، تنتج 6 ملايين طن بمساحات زراعية واسعة. ودعا وزارة الزراعة إلى تعديل هذه الإحصائيات وتقديم أرقام أكثر واقعية.
كما تطرق إلى خطة وزير الزراعة السابق لتطوير زراعة الحمضيات، مشيراً إلى أهمية زراعة أصناف جديدة متماشية مع الأذواق العالمية، وتلك التي يمكن استخدامها في إنتاج العصائر، مشدداً على ضرورة أن تركز وزارة الزراعة على التسويق الجيد لمنتجات الحمضيات، سواء للمواطنين السوريين أو للتصدير، لافتاً إلى أن متوسط استهلاك الفرد السوري من الحمضيات لا يتجاوز 500 كيلوغرام سنوياً.
وشدد الدكتور أيوب في نهاية حديثه على أهمية استغلال بوادر الانتعاش النسبي في القطاع الزراعي، مع ضرورة معالجة التحديات الاقتصادية والهيكلية التي تواجهه. ودعا إلى دعم المزارعين وتوفير المستلزمات الزراعية اللازمة، إضافة إلى مراقبة جودة المنتجات الزراعية وتطوير استراتيجيات التسويق والتصدير، مؤكداً على أهمية التعاون بين القطاعين العام والخاص لتحقيق التنمية الزراعية المستدامة في سوريا.

الضغوط الاقتصادية المتزايدة على المزارعين:
من جهته، يرى الخبير التنموي والزراعي أكرم العفيف أن القطاع الزراعي في سوريا يشكل عصبًا حيويًا للاقتصاد الوطني، ومصدر رزق أساسي لشريحة واسعة من المواطنين، إلا أنه يواجه تحديات جمة تعيق نموه واستدامته، وتلقي بظلالها على الأمن الغذائي للبلاد.
ويرى العفيف أن المزارعين السوريين يعانون من ضغوط اقتصادية متزايدة، تتجلى في عدة مظاهر، فمن جهة، يستحوذ الوسطاء على جزء كبير من الأرباح، مما يقلل من العائد المادي الذي يحصل عليه المزارع لقاء جهده. ومن جهة أخرى، يشكل عدم استقرار الأسعار تحديًا كبيرًا، حيث يصعب على المزارعين التخطيط للمحاصيل بشكل فعال، مما يزيد من مخاطر الخسائر. ويرى العفيف أن الوصول إلى مرحلة استقرار الأسواق وتلبية الاحتياجات يتطلب دراسة متأنية للأسواق، ومعرفة دقيقة بما يجب زراعته وإنتاجه، مع الأخذ في الاعتبار حاجة السوق الداخلية والخارجية.
صعوبات جمة تواجه قطاع الثروة الحيوانية:
وأشار العفيف إلى أن التحدي لا يقتصر على القطاع الزراعي النباتي، بل يمتد ليشمل قطاع الثروة الحيوانية، حيث أن ارتفاع تكاليف الإنتاج، بالتزامن مع انخفاض أسعار السوق، يجعلان تربية المواشي أقل جدوى اقتصادية. يضاف إلى ذلك، المخاطر التي يواجهها المزارعون من سرقة الماشية وانتشار الأمراض الحيوانية، مثل الحمى القلاعية. كما أن ارتفاع أسعار الأعلاف يؤدي إلى سوء تغذية الحيوانات وانخفاض إنتاجيتها، خاصة بالنسبة للماعز والأغنام.
ولفت الخبير إلى أن تدفق كميات كبيرة من اللحوم والدواجن المستوردة يشكل تحديًا كبيرًا للمنتجين المحليين، حيث يجدون صعوبة في المنافسة مع هذه المنتجات، غالبًا بسبب انخفاض أسعارها أو دعمها من قبل دول أخرى. هذا الوضع يضعف القدرة التنافسية للمنتجات المحلية، ويقلل من فرص نمو القطاع الزراعي.
التغيرات المناخية وتأثيرها السلبي على الإنتاج الزراعي
وأوضح العفيف أن أنماط المناخ المتغيرة وهطول الأمطار المتفاوتة تتسبب في تقويض الاستقرار الزراعي، فالجفاف والتصحر يشكلان تهديدًا حقيقيًا للأراضي الزراعية، ويقللان من إنتاجيتها. وعلى الرغم من أن استخدام الطاقة الشمسية قد ساهم في تخفيض تكاليف ضخ المياه، إلا أنه أدى في الوقت نفسه إلى الإفراط في استخراج المياه الجوفية، مما يهدد استدامة هذا المورد الحيوي.
الحاجة الماسة إلى رؤية استراتيجية شاملة
وختم العفيف بالتأكيد على أن القطاع الزراعي في سوريا يواجه تحديات متعددة الأوجه، تتطلب حلولًا مبتكرة وشاملة. إن تجاوز هذه التحديات يتطلب تضافر جهود الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، من خلال وضع استراتيجيات فعالة لدعم المزارعين، وتحسين البنية التحتية الزراعية، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المحلية، وإدارة الموارد الطبيعية بشكل مستدام. إن تحقيق الأمن الغذائي في سوريا يتوقف على قدرة البلاد على مواجهة هذه التحديات، وتحويل القطاع الزراعي إلى محرك للنمو الاقتصادي المستدام.




