مجرد استغراب ..!

سامي عيسى

الادارة في القطاع العام حمالة أوجه مختلفة، علماً أن المضمون واحد، وحتى الشكل ، لكن طريقة التنفيذ تختلف بين إدارة وأخرى، وهذه مرتبطة بالطبيعة، وقبلها الثقافة التي يحملها ممارس العمل الاداري، مهما اختلف الموقع من حيث الأهمية والحجم، وهذه مسألة ” أعتقد ” ليست محل خلاف أو تباين في الآراء، بقدر ما تحمل تعدد في وجهات النظر ..!

وبالتالي هذا الأمر يفرض حالة استغراب حول حديث الكثير من الادارات العامة، على اختلاف مستوياتها والتي تكسوها (لغة العموميات) عند الحديث عن قضية ما، يتم تناولها بقصد المعالجة وإيجاد الحل, وحتى الإشارة إلى مواقع الفساد أيضاً بنفس اللغة, الأمر الذي يثير الكثير من الاستغراب والمزيد من حالات العجب, و الكثير من الأسئلة حول حالة الضعف وعدم القدرة في اتخاذ القرار الصح في الظرف والزمان المناسبين، وحتى وضوح رؤية المعالجة، وطريقة ايجاد الحل ..؟

وهذه مسألة خطيرة جداً، تشكل متلازمة “الادارة” منذ عقود مضت وحتى الآن مهمتها” شلف” الحلول والهروب بها الى الأمام وهذه أصبحت دوامة اعتادات معظم الادارات الدوران حولها، وفرض الحل وفق لغة العموم والتوصيف، وهذه تكسوها عبارات التنظير ولعبة الروتين والمراسلات الورقية اليومية”واليوم الإلكترونية” التي يختبئ خلفها معظم تلك الادارات بدواعي مختلفة، وتبريرات حدودها الخوف من المسؤولية، وتداعياتها على مصالحهم الشخصية، التي تشكل نسبة كبيرة من مجمل التفكير والاهتمام..!

وهذا بدوره يضعنا رغم اختلاف وجهات النظر، أمام جملة من الحقائق تفرض علينا واقعاً جديداً، يحدد فيه تفسيرات كل مرحلة إدارية، ويفرض أيضاً حقائق ومسلمات لا نستطيع تجاهلها، أهمها أنه حتى هذا التاريخ لم نعي تماماً المعنى الحقيقي لممارسة الصلاحيات الادارية، بحدود مسؤوليتها وتسلسلها الاداري واحترام تراتبيتها , وحسها الاخلاقي الذي يؤهلنا لتحمل المسؤولية التي نبتعد من خلالها عن المصلحة الشخصية، والأنا المتسلطة التي مازالت عنوان للممارسة اليومية لدى بعض إداراتنا، وخاصة في القطاع الانتاجي والخدمي , وعدم قدرتها حتى تاريخه من الذوبان في الأنا الجماعية، وتفضل المصلحة العامة وتعتبرها العليا والسعي من خلالها لبلوغ تنمية المجتمع بأبعاده المختلفة الاقتصادي منها والاجتماعي وقبل الاثنين الخدمي…!

و”للأسف الشديد” أن الأمر زاد سوءً خلال سنوات الأزمة، وطفت الى السطح الكثير من هذه الإدارات، لأن الظروف التي نعيشها بسبب الحرب والحصار الاقتصادي، شكلت أرضاً خصبة لنمو هذا النوع، وتسلقها مواقع حكومية تحت مؤثرات وقواعد يصعب وصفها بدقة، لأنها لا تتفق مع الميزان الوظيفي الصحيح والمعيار الاخلاقي الذي يحكم عمل الادارة ..!

والدليل لا يحتاج لكثير من العناء والتعب ليؤكد حالة الاثبات لهذا النوع من الادارة، وما يحدث من بطء في معالجة المشكلات اليومية للقطاع العام وخاصة الانتاجي منه والخدمي، وتلبية احتياجاته، وهذا “ليس في أيامنا هذه” بل قبل الأزمة وسيستمر الأمر لما بعدها, لان الدراسات ذاتها والمقترحات نفسها , والإدارات لم تتغير سوى بالشكل، وبعض الاسلوب “المتلون” وتغيير أولوياتها, والإكثار من التخاطب الورقي، والاختباء خلف ما يحمله من عبارات التهرب , واثبات ذلك لا يحتاج أدلة كثيرة، قليل من التدقيق في الاجراءات اليومية لبعض الوزارات والمؤسسات، وما يحدث فيها من مراسلات بين الوزارة ومؤسساتها وشركاتها كل واحدة تحتاج لمستودعات بحجم الشركات ..!؟
وبالتالي هذا الأمر يشكل حالة من الضغط على المواطن في حياته اليومية والمؤسسات التي تسعى لتأمين متطلباته , لذلك نحن بحاجة لوزارات ومؤسسات همها العمل, وليس التنظير واستخدام لغة العموميات, وإطلاق الشعارات والعبارات التي غالباً ما تختبئ خلفها، وإلقاء المسؤولية على تسلسل الادارات اللاحقة، أو ادارات الصفوف الثانية وغيرها ..!

كل ذلك يحملنا أنا وغيري من المواطنين الغيورين على قطاعنا العام بكل مكوناته الى التساؤل حول ما يحمله التطوير الإداري ومفهومه الجديد، من اجراءات تسمح بالتخلص من لغة الادارة بالعموميات، وإدارة المصالح ومفهوم الأنا الوظيفي، وتطبيق ادارة المسؤول تحت سقف القانون..؟!!
بانتظار قادمات الأيام وخبرها اليقين..
طريقك الصحيح نحو الحقيقة …

آخر الأخبار