د.عياش: لا يبدو هناك أي مبرر موضوعي وحاسم لإلغاء أصفار من العملة الحالية
سوا نيوز :
طباعة عملة جديدة بحذف صفرين وإبعاده الاقتصادية ، و هل يحد طباعة وحذف اصفار من التضخم ،وهل بدون دورة اقتصادية كاملة بدءا من الإنتاج وصولا للتصدير والاعتماد فقط على هذا الإجراء كاف؟ وكم سيصمد الاقتصاد بالاعتماد على هذا الجانب فقط ؟ اسئلة أجاب عليها الباحث الاقتصادي الدكتور فادي عياش الذي قال :
بدايةً لا بد من التنويه أن الموضوع أثاره خبر عبر وكالة إعلامية ولذلك نحتاج لتوضيحات من المركزي لدقة التحليل.
وفقاً لما تقدم يمكن تحليل الموقف حول طباعة العملة وحذف الأصفار بالمفهوم العام.
موضوعياً وفي الظروف الراهنة، لا يبدو هناك أي مبرر موضوعي وحاسم لإلغاء أصفار من العملة الحالية، كما أنه من غير المجدي طباعة عملة جديدة في الظروف الراهنة ولا سيما ان الكلفة باهظة وتتطلب تغطية وحسب المعطيات المتاحة هي غير مترفرة، فالتغيير لأجل التغيير لا يجوز أن يكون هدفًا للسياسة النقدية حاليًا.
كما يجب ملاحظة التعقيدات الناتجة عن عملية الاستبدال وآثار حذف الأصفار، إذ إن ذلك يتطلب تغيير العملة وطباعة عملة جديدة، ما يفرض تكاليف كبيرة ويسبب تعقيدات كثيرة قد تؤدي إلى اضطرابات مالية، البلاد بغنى عنها في المرحلة الحالية، لا سيما أن هكذا إجراء في الظروف الراهنة لن يساعد على تحسين قيمة الليرة.
أما عن المبررات.. فمن حيث المبدأ يتم اللجوء إلى العديد من الأساليب والتقنيات في السياسة النقدية لمعالجة المشكلات الاقتصادية، لا سيما مشكلة التضخم، والذي يُعبر عنه بارتفاع مستمر في الأسعار مع تراجع القدرة الشرائية للدخل وتراجع القوة الشرائية للعملة المحلية، فمن أحد مظاهره السلبية هي الحاجة لكميات أكبر من النقود للحصول على نفس السلعة.
فعادةً.. تلجأ الدول إلى حذف الأصفار عندما تعاني حالة التضخم المفرط، إذ تفقد العملة قيمتها بسرعة، ويصبح من الصعب التعامل مع الأرقام الكبيرة، إضافة إلى انخفاض الثقة بالعملة بسبب الأزمات الاقتصادية أو السياسات النقدية الفاشلة، وكذلك لغاية تبسيط العمليات المالية، فتصبح التعاملات اليومية، والمحاسبة، وإعداد التقارير المالية أكثر سهولة.
ولذلك يجب التأكيد أن هذا الإجراء يكون شكليًا وقاصرًا ما لم يترافق مع عمليات إصلاح بنيوية في الاقتصاد الوطني تساعد على زيادة معدلات التشغيل والإنتاج، والتصدير، وتنمية السوق المحلي، بما يساعد في تحسين توازنات ميزان المدفوعات والميزان التجاري وأسعار الصرف، وبالتالي تحسين القوة الشرائية للعملة المحلية وزيادة القدرة الشرائية للدخل، ونمو الطلب بالتزامن مع نمو العرض السلعي والخدمي المتاح، وإلا سيكون إجراء كهذا بمثابة عملية تجميلية تساعد في تخفيف أحد مظاهر التضخم وتسهيل عمليات التداول فقط.
المحددات…
من شروط نجاح حذف الأصفار أن يكون الاقتصاد قد بدأ التعافى فعلاً، وليس مجرد تغيير شكلي، إضافة إلى ضرورة السيطرة على التضخم، حتى لا تفقد العملة قيمتها مجدداً، مما يؤدي إلى تعميق التضخم وتعقيد علاجه. كما يجب اعتماد سياسات اقتصادية داعمة مثل تحسين الإنتاجية، وزيادة الإنفاق الاستثماري، وتعزيز الثقة في النظام المصرفي، فضلاً عن وجود إدارة ناجحة لتغيير العملة زمنياً وإجرائياً مع تبني مجتمعي شامل، لمنع التلاعب بالأسعار وخلق حالة من الفوضى المالية.
بالتطبيق على واقع سورية الحالي الذي يعاني من معدلات التضخم المرتفعة، وتراجع كبير في مؤشرات الإنتاجية والتجارة الخارجية والناتج المحلي الإجمالي.
فقد يكون من الدوافع الأخرى لهذا الإجراء، هو محاولة تأمين السيولة الكافية لسد العجز الكبير الذي فرض تقييد شديد لحركة السيولة في المصارف مما أثر بشكل كبير على الاقتصاد الوطني، وكذلك ضبط كميات الكاش خارج المنظومة المصرفية لمنع المضاربة وتحديد فعلي للكتلة النقدية المتاحة لدى المجتمع، وهو عامل هام لتحديد توازنات واقعية وضبط سعر الصرف.
هذا بالإضافة إلى التخلص من رموز النظام البائد على العملة الجديدة وهو عامل نفسي مطلوب.
وفي كل الأحوال وحسب ما تم عرضه أعلاه ومهما كانت المبررات. فقد يكون من الأنسب الاعتماد على بدائل أكثر جدوى، منها معالجة حالة الركود الاقتصادي كأولوية على معالجة مظاهر التضخم، لأن معالجة الركود الاقتصادي وتحريك عجلة الاقتصاد كفيلة بالمساعدة على ضبط معدلات التضخم. كما يمكن الاعتماد على بدائل أكثر جدوى للاقتصاد في المرحلة الراهنة، وهي ترسيخ الدفع الإلكتروني في مختلف المجالات مما يقتضي توفير البنى التحتية والفنية الضرورية، ما يساهم بمعالجة مظاهر التضخم المتعلقة بالتداول النقدي ويحقق الغاية المرجوة.
وإذا كان لا بد من طباعة عملة جديدة مراعاة للأسباب والمبررات الرسمية فيمكن طباعة أوراق نقدية جديدة ولكن بفئات أكبر من فئة 50 ألف 100 ألف ليرة سورية كمثال.. وأن يتم استبدال كميات من العملة الحالية مساوية بالقيمة للكميات الجديدة بحيث لا تؤدي إلى موجات تضخمية جديدة. حيث تساعد هذه الخطوة على تخفيف مظاهر التضخم وتيسر عمليات التبادل ونقل العملة. وكذلك تُخفّض من تكاليف الطباعة وتقليل كمية المطبوعات.
