التدمير الخَلّاق
حديث الاربعاء الاقتصادي رقم ( ٣٧١ )
سوا نيوز :
خلال أعمال المؤتمر الاول لريادة الاعمال الذي انعقد مؤخرا بتعاون مشترك بين الغرفة الفتية و غرفة تجارة دمشق أشرت في مداخلة لي عن أهمية الريادة في خلق النمو الاقتصادي و مضاعفة القيم المضافة للتراكم الرأسمالي الذي هو أساس تنامي الناتج المحلي الإجمالي و بالتالي في تنشيط الاقتصاد و تطويره بسرعات فائقة مستشهدا بأقوال الاقتصادي النمساوي (جوزيف شومبيتر ) اواخر خمسينات القرن الماضي عندما بنى نظرية كاملة في ريادة الاعمال عندما قال :
ان رائد الاعمال الذي ينشئ شركة جديدة مبتكرة هو المحرك الاول للنمو الاقتصادي على المدى الطويل لانه يحول دون دخول الاقتصاد في نفق و دوامة الركود و تراجع الاعمال وانخفاض الاستهلاك ..
طبعا النظرية طويلة و عميقة ولكن ماجاء بها نت تفصيلات مازالت حتى اليوم مرتكزا مهما لمحددات الريادة في النمو و التطور الاقتصادي لأغلب بلدان العالم .
و فيما أورده هذا الاقتصادي الشهير مقولة (التدمير الخلاق ) التي هي عنوان حديث اربعائنا هذا الأسبوع.
فما عو هذا التدمير و كيف يكون خلاقا و بالتالي مفيدا للاقتصاد .
باختصار (التدمير الخلاق ) هو المفهوم الأكثر شهرة لهذا المفكر النمساوي ، وهو يصف الجوهر الحقيقي للرأسمالية كـ”عاصفة من التغيير” لا تعرف الثبات ابدا .
بعيدًا عن كونه مجرد مصطلح، فان هذا المفهوم يفسر كيف يحدث التقدم الاقتصادي من خلال عملية متناقضة كليا فالابتكار يُحدث ثروة جديدة بينما يدمر القديم في نفس الوقت .
يعتقد ( شومبيتر ) أن الركود هو الموت بالنسبة للرأسمالية لو نظام الاقتصاد الحر . فالمحرك الحقيقي للنمو ليس مجرد تحسين الأسعار، بل الصدمات الكبرى القادمة من الداخل. على سبيل المثال
· سلعا جديدة كليًا: مثل الانتقال من الهاتف الثابت إلى الهواتف الذكية.
· تقنيات إنتاج جديدة: مثل خط التجميع الذي قضى على الحرف اليدوية.
· أسواق جديدة: مثل التسوق عبر الإنترنت الذي قلص المتاجر التقليدية.
· تنظيمات صناعية جديدة: مثل نموذج الاقتصاد التشاركي
باختصار، الشركات الجديدة لا تظهر بجانب القديمة فحسب، بل “تمتصها” أو تقضي عليها .
هذه العملية تحمل “سيفًا ذو حدين”، وتفسر لماذا قد يشعر الأفراد بالألم بينما يرتفع مستوى المجتمع ككل .
· الجانب المظلم او ما أطلق عليه ( شومبيتر ) صفة (التدمير) مثل إغلاق المصانع، او فقدان الوظائف التقليدية اوخروج الشركات العملاقة من السوق.
اما الجانب المشرق الذي سماه (الخلق) فيحدث من خلال ظهور منتجات أرخص وأفضل و اكثر ابتكارا و تقانة ، ووظائف جديدة تكنولوجية لم تكن موجودة تؤدي لاحقا لارتفاع مستوى المعيشة وتحرير الموارد البشرية لاستخدامات أفضل.
و هنا تطورت الفكرة: من ما يسميه “البطل الفردي” إلى مصطلح “المختبر العملاق”
- شومبيتر “مارك 1” (الرائد الفردي): ركز على دور رائد الأعمال الفردي (الـ Entrepreneur) الذي يخاطر ويبتكر ويقلب الموازين.
- شومبيتر “مارك 2” (العملاق النائم): لاحظ لاحقًا أن الابتكارات الكبرى أصبحت تأتي من الشركات الكبرى ومختبرات البحث والتطوير الضخمة .
و السؤال الأصعب الذي طرحه شومبيتر هو: هل يمكن للمجتمع أو الاقتصاد أن يحصد ثمار الابتكار و الابداع والتجديد بدون دفع ثمن الاضطراب؟ وفقًا لنظريته، لا بالطبع .
فمحاولة حماية الشركات القديمة أو الوظائف المتقادمة تؤدي في النهاية إلى الركود، بينما قبول هذه العاصفة هو الطريق الوحيد نحو الازدهار طويل المدى و هذا ملخص مصطلح التدمير الخلاق الذي اطلقه و دافع عنه .
ما يهمنا في هذا الحديث أن رواد الأعمال السوريين و في خضم اقتصاد سوق حر تنافسي جديد هم قادة التغيير و قمم التجديد و هم بذلك رواد التميز الخلاق من خلال أفكارهم الجديدة الملهمة و مشاريعهم المبتكرة و منتجاتهم المختلفة و خدماتهم المتجددة غير المسبوقة وأساليب ادراتهم الإبداعية و رفض القوالب الجامدة و النماذج التقليديه المكررة .
بوجود رواد الأعمال الشباب في بلدنا و تعاظم دورهم و تسارع مشاريعهم و تنامي أفكارهم الخلاقة الجديدة سيحمون الاقتصاد السوري الوليد من الركود و الجمود و الكساد و يدفعونه بقوة نحو الجانب المشرق عبر ( التدمير الخلاق ).
الاقتصاد السوري الجديد هو اليوم في قلب عاصفة التغيير الإيجابي.
دمشق في ٢٩/٤/٢٠٢٦
كتبه الدكتور عامر محمد وجيه خربوطلي
مع تحيات العيادة الاقتصادية السورية