تداعيات الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز… والقدرة السورية على تحويل التحدي إلى فرصة

سوا نيوز –

كتب الاستاذ مازن كنينه – عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق

في لحظات التحوّل الكبرى، لا يُقاس ثقل الأحداث بحجم الضجيج السياسي فحسب، بل بعمق تأثيرها في الاقتصاد العالمي.
ويشكّل مضيق هرمز شرياناً حيوياً تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط المنقولة بحراً، ما يجعل أي تصعيد عسكري ضد إيران أو إغلاق محتمل للمضيق عاملاً مباشراً في إعادة تشكيل معادلات الطاقة والأسعار والتضخم حول العالم.

إن اضطراب هذا الممر الاستراتيجي لا يعني مجرد ارتفاع في أسعار النفط، بل يفتح الباب أمام موجة تضخمية عالمية، وزيادة في تكاليف الشحن والتأمين، واختلالات في سلاسل الإمداد، وتباطؤ في النمو الاقتصادي، خاصة في الدول المستوردة للطاقة.
فأسواق المال تتأثر فوراً، والعملات تتقلب، والدول ذات الهشاشة المالية تجد نفسها أمام تحديات مركّبة.

غير أن التاريخ الاقتصادي يعلّمنا أن الأزمات الكبرى، رغم قسوتها، تفرز مسارات جديدة وتمنح الدول فرصة لإعادة التموضع.

وهنا تبرز الحالة السورية بوصفها نموذجاً لإمكان تحويل التحدي إلى مساحة للفعل الوطني المنتج.
سورية بين التحدي والقدرة

رغم التحديات التي واجهتها سورية خلال السنوات الماضية، فإن امتلاكها لحقول نفط وغاز داخل أراضيها يشكّل ركيزة استراتيجية لتعزيز قدر من الاكتفاء الذاتي في حال تصاعد الأزمات الإقليمية.

فحين ترتفع الأسعار عالمياً، تصبح قيمة الإنتاج المحلي مضاعفة، ويغدو الاستثمار في الموارد الوطنية خياراً سيادياً بامتياز.
أمثلة عملية على القدرة السورية:
إعادة تفعيل الحقول النفطية والغازية بما يؤمّن جزءاً مهماً من الاحتياجات المحلية، ويخفف الضغط على الاستيراد في ظل اضطراب الممرات البحرية.
تعزيز الإنتاج الزراعي لضمان الأمن الغذائي وتقليل فاتورة الواردات، خاصة أن الطاقة والغذاء يشكّلان معاً عمود الاستقرار الاقتصادي.

تشجيع الصناعات الوطنية لتأمين البدائل المحلية للسلع المستوردة، ما يدعم ميزان المدفوعات ويحافظ على القطع الأجنبي.

التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية التي أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على تخفيف الضغط على الشبكة العامة، خصوصاً في المناطق الصناعية والتجارية.

بهذه المقاربات، لا تتحول الأزمة إلى عبء مطلق، بل إلى محفّز لإعادة تنظيم الأولويات الاقتصادية وتعزيز مفهوم الاعتماد على الذات.

دور الدولة والمجتمع في معادلة الصمود

إن قدرة أي دولة على تجاوز الأزمات لا ترتبط بالموارد فقط، بل بصلابة مؤسساتها وتكاتف مجتمعها. وفي الحالة السورية، يشكّل التعاون بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع الأهلي عنصر قوة حقيقياً.

فغرف التجارة والصناعة، والفعاليات الاقتصادية، والكوادر الوطنية، جميعها تشكّل شبكة دعم تضمن استمرار عجلة الإنتاج حتى في أصعب الظروف.

كما أن سياسات ترشيد الاستهلاك، وإدارة الموارد بكفاءة، وضبط أولويات الاستيراد، تمثل أدوات عملية لتخفيف أثر أي اضطراب خارجي. فحين تُدار الموارد بحكمة، يتحول التحدي إلى فرصة لإعادة بناء نموذج اقتصادي أكثر توازناً واستقلالية.

خاتمة: من اقتصاد متأثر إلى اقتصاد متكيّف
إن الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز سيتركان أثراً عميقاً على الاقتصاد العالمي، وسيدفعان بأسواق الطاقة نحو موجات من الاضطراب.
غير أن الدول التي تمتلك إرادة الإنتاج ومواردها الطبيعية وخبرة كوادرها تستطيع تخفيف وقع الصدمة.

وسورية، بهمة دولتها وشعبها، قادرة على تجاوز هذه المرحلة عبر تفعيل مواردها النفطية، وتعزيز إنتاجها المحلي، وتسريع التحول نحو الطاقات البديلة، وبناء اقتصاد أكثر اعتماداً على الذات. فالأزمات، مهما اشتدت، تبقى اختباراً للإرادة الوطنية، ومن يمتلك إرادة العمل والإنتاج يمتلك القدرة على العبور.

آخر الأخبار